الشيخ علي المشكيني
24
دروس في الأخلاق
وبالجملة كأنّ هنا شخصين : أحدهما متّصف بصفات ومَلَكات مختلفة قد وقع في معرض تعارضها وتزاحمها ، ويجرّه كلّ إلى مقتضاه ، فهو إمّا من أكرم خلق اللَّه وأشرف خليفته ، أو من أبعد مخلوقه وأشقى بريّته ، والآخر مخاطب بتكاليف مختار بين الطاعة والمعصية ، مسؤول في الدنيا والآخرة ، مُجزئ بالثواب والعقاب . ولعلّ في هذا إشارة إلى أنّ الصفات ليست متعلّقة للتكاليف وإن كان لها دخل في متعلّقها ، لا أنّ هنا شخصين حقيقةً ؛ فتأمّل . الأمر السادس : قد اطلق على الجوهر اللطيف اسم الروح أيضاً ، وهو المراد في قوله تعالى : « وَيَسَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى وَمَآ أُوتِيتُم مّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا » « 1 » . ولعلّ وجه إعراض الرّب تعالى عن الجواب لكون سؤالهم عن حقيقة الروح وماهيّتها كما هو ظاهر اسم الجنس ، وكون إدراكها خارجاً عن استعداد عقولهم كما يشير إليه ذيل الآية . والروح في اللغة بمعنى سبب الحياة ومنشأها والعلّة المحدثة لها . وبهذا الاعتبار اطلق هذا الاسم في الكتاب العزيز على تلك الجوهرة اللطيفة عندما أريد بها حدوث الحياة للجسم ، كقوله تعالى : « ثُمَّ سَوَّلهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ » « 2 » وقوله : « فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى » « 3 » . فيعلم من ذلك أنّ هذا الموجود في ابتداء تلاقيه مع البدن وفي حين تأثيره في حياته روح ، كما أنّه بالقياس إلى اتّصافه بصفاتٍ بعد الاستقرار قلب ، وبالإضافة إلى توجّه التكاليف إليه والجزاء لها نفس . وإضافة اللَّه تعالى روح آدم إلى نفسه في الآيتين وشبههما وقعتْ تشريفاً لآدم النبي عليه السلام وأولاده اصطفاءً لهم لهذا الروح بين الأرواح ، نظير كون الرسول صلى الله عليه وآله خليله ، والكعبة بيته ؛ وإلّافكلّ روحٍ مُحدَثٌ بإرادته ، مدبَّرٌ بتدبيره . وفي الحديث : « إنّ الأرواحَ جنودٌ مُجَنّدةٌ ؛ فما تَعارفَ منها ائتُلفَ ، وما تَناكَرَ منها اخْتُلِفَ » « 4 » .
--> ( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 85 . ( 2 ) . السجدة ( 32 ) : 9 . ( 3 ) . الحجر ( 15 ) : 29 ؛ ص ( 38 ) : 72 . ( 4 ) . من لا يحضره الفقيه ، ج 4 ، ص 380 ، ح 5818 عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ؛ علل الشرائع ، ج 2 ، ص 426 ، ح 7 عن الإمامالصادق عليه السلام ؛ الأمالي ، ص 145 عن الإمام الباقر عليه السلام .